فصل: باب ذكر خلافة هشام بن عبد الملك

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة اثنتين مائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن يزيد بن عبد الملك بعث العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك إلى حربيزيد بن المهلب فخرج يزيد بن من واسط للقائهما واستخلف بها ابنه معاوية بن يزيد وجعل

عنده الخزائن وبيت المال وقدم بين يديه أخاه عبد الملك فاستقبله العباس بسورا فاقتتلوا فشد

عليهم أهل البصرة فكشفوهم وسقط إلى يزيد ناس كثير من أهل الكوفة ومن الجبال والثغورفقام فيهم فقال‏:‏ قد ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء - يعني مسلمة بن عبد الملك - وعاقر ناقة

صالح - يعني العباس بن الوليد وكان العباس أزرق أحمر وكانت أمه رومية - والله لقد كان

سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فأقره على نسبه بلغني أنه ليس يهمهما إلا التماسي فيالأرض والله لو جاءوا بأهل الأرض جميعًا وليس إلا أنا ما برحت العرصة حتى تكون لي

أولهم‏.‏

وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد بن المهلب فقام مروان بن الهلب خطيبًا في الناس

بالجد والجهاد ثم قال‏:‏ لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي - ولم يسمه - يثبط الناس عناوالله لو أن جاره نزع من خض داره قصبة لظل يرعف أنفه ولم يدع الحسن كلامه ذلك‏.‏

فلما اجتمع يزيد بن المهلب ومسلمة أقاما ثمانية أيام حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشر ليلة

مضت في صفر عبأ مسلمة جنود الشام ثم ازدلف بهم نحو يزيد وبعث مسلمة فأحرق الجسر

فانهزم أصحاب يزيد وتسللوا وهو يزدلف فكلما مر بخيل كشفها فجاءه أبو رؤبة فقال له‏:‏ هل

لك أن تنصرف إلى واسط فإنها حصن فتنزلها ويأتيك مدد البصرة وأهل عمان والبحرين في

السفن وتضرب خندقًا فقال‏:‏ قبح الله رأيك إليّ تقول هذا إن الموت أيسر علي من ذلك وبرز فقتل وقتل أخوه محمد فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك فلما بلغ خبر الهزيمة إلى

واسط أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيرًا كانوا عنده فضرب أعناقهم منهم

عدي بن أرطأة‏.‏

ثم اقبل على البصرة ومعه المال والخزائن وجاء المفضل بن المهلب واجتمع أهل المهلب فيالبصرة فحملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية ثم لججوا في البحر ومضوا إلى قندابيلورجع قوم فطلبوا الأمان وبعث مسلمة في آثارهم هلالا التميمي فلحقهم بقندابيل ومنعهم

قندابيل الدخول فالتقوا فقتلوا عن آخرهم سوى رجلين ولما فرغ مسلمة من حرب يزيد بن

المهلب جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة‏.‏وفيها‏:‏ غزا المسلمون الصغد والترك وكانت الواقعة بينهم بقصر الباهلي‏.‏وفيها‏:‏ عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام‏.‏وكان سبب ذلك أنه لما ولي أرض العراق وخراسان لم يرفع شيئًا من الخراج فأراد يزيد عزله

فاستحيا منه فكتب إليه أن استخلف على عملك وأقبل فشاور في ذلك عبد العزيز بن حاتم

فقال له‏:‏ إنك لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه‏.‏

فشخص فلقيه عمر بن هبيرة على دواب البريد فقال‏:‏ إلى أين يا ابن هبيرة فقال‏:‏ وجهني أمير المؤمنين في حيازة أموال بن المهلب وإنما وفيها‏:‏ غزا عمر بن هبيرة الروم بأرمينة فهزمهم وأسر منهم سبعمائة أسير‏.‏

وفيها‏:‏ قتل يزيد بن أبي مسلم في بأفريقة وهو أول وال عليها‏.‏

وسبب ذلك أنه كان قد عزم أن يسير فيهم بسيرة الحجاج فقتلوه وأعادوا الوالي قبله وهو

محمد بن يزيد بن أبي مسلم مولى من الأنصار وكتبوا إلى يزيد‏:‏ إنا لم نخلع أيدينا عن الطاعةولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله تعالى فقتلناه وأعدنا عاملك فكتب‏:‏ إليهم أنيلم أرض ما صنع يزيد وأقر محمد بن يزيد على عمله بإفريقة‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك وهو العامل على المدينة وكان على مكة عبدالعزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى الكوفة محمد بن عمرو وعلى قضائها القاسم بن

عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعلى البصرة عبد الملك ابن بشر بن مروان وعلى

خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص وعلى مصر أسامة بن زيد‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر. يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أبو خالد الأزديقد ذكرنا أحواله في الحوادث وخروجه على يزيد بن عبد الملك ومحاربته له وأنه قتل في الحرب في هذه السنة وكان جوادًا‏.‏أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال‏:‏ أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال‏:‏ أخبرنا عبد العزيز بنالحسن بن الضراب قال‏:‏ أخبرنا أبي قال‏:‏ حدَّثنا أحمد ابن مروان قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن موسىبن حماد قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن الحارث عن المدائني قال‏:‏

كان سعيد بن عمرو مؤاخيًا ليزيد بن المهلب فلما حبس عمر بن عبد العزيز يزيد ابن المهلبمنع الناس من الدخول إليه فأتاه سعيد فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لي على يزيد خمسون ألف درهمقد حلت بيني وبينه فإن رأيت أن تأذن لي فاقتضيه فأذن له فدخل فسرّ به يزيد وقال‏:‏ كيفوصلت إليّ فأخبره فقال‏:‏ والله لا تخرج إلا وهي معك فامتنع سعيد فحلف يزيد ليقبضها

فوجه إلى منزله حتى حمل إلى سعيد خمسون ألف درهم‏.‏وروى الصولي قال‏:‏ دخل الكوثر بن زفر على يزيد بن المهلب حين ولاه سليمان العراق فقال

له‏:‏ أنت والله أكبر قدرًا من أن يستعان عليك إلا بك ولست تصنع من المعروف إلا وهو أصغرمنك وليس العجب أن تفعل ولكن العجب ألا تفعل‏.‏

فقال‏:‏ يزيد‏:‏ سل حاجتك فقال‏:‏ حلمت عن قوم عشر ديات وقد نهضني ذلك قال‏:‏ قد أمرت لك بها وقد شفعتها بمثلها فقال له الكوثر‏:‏ أما ما سألتك بوجهي فأقبله منك وأما الذي ابتدأني به فلا حاجة لي فيه قال‏:‏ ولم قد كفيتك فيه ذل المسألة قال‏:‏ إن الذي أخذته مني بمسألتي إياك وبذل وجهي لك أكبر من معروفك عندي فكرهت الفضل علي قال يزيد‏:‏ وأنا أسألك كما سألتني بحقك عليّ ما أهلتني له من إنزالك الحاجة بي إلا قبلتها ففعل‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث ومائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ غزوة العباس بن الوليد الروم ففتح بها مدينة من مدائن الروم‏.‏وفيها‏:‏ ضمت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهري فجمعت له مع المدينة‏.‏

وعزل عبد العزيز عن مكة‏.‏

وفيها‏:‏ ولي عبد الواحد بن عبد الله البصري الطائف‏.‏

وفيها‏:‏ استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي على خراسان فارتحل أهل الصغد عن

بلادهم عند مقدمه فلحقوا بفرغانة وسألوا ملكها إعانتهم على المسلمين فبعث إليهم بن هبيرة

يسألهم أن يقيموا ويستعمل عليهم من يريدون فأبوا وخرجوا إلى خجنده‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك وكان على مكة والمدينة وكان على

الطائف عبد الواحد البصري وعلى العراق عمر بن هبيرة وعلى خراسان من قبله سعيد بنعمرو الحرشي وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعلى

قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر. جابر بن زيد أبو الشعثاء‏:‏ كان مفتي البصرة وكان ابن عباس يقول‏:‏ لو نزل أهل البصرة عند قول جابر لأوسعهم عما في كتاب الله علمًا‏.‏وقال جابر في مرضه‏:‏ اشتهي نظرة من الحسن فجاء إليه في الليل وكان متخفيًا‏.‏

وتوفي في هذه السنة‏.‏

خالد بن معدان أبو عبد الله الكلاعي‏:‏ أسند عن أبي عبيدة ومعاذ وعبادة وأبي ذر وغيرهم‏.‏وتوفي في رمضان هذه السنة‏.‏عن أبي المغيرة عن صفوان بن عمر قال‏:‏ كان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام

عامر بن عبد الله بن قيس

أبو بردة ابن أبي موسى

روى عن أبيه وكان على بيت المال وولي قضاء الكوفة بعد شريح وفيها توفي في هذه

السنة‏.‏عبد الرحمن بن حسان بن ثابت‏:‏ وقد مضى ذكره‏.‏

عطاء بن يسار أخو سليمان بن يسار‏:‏ روى عن أبيّ بن كعب وابن مسعود وأبي أيوب في خلق كثير من الصحابة وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا علي بن

أحمد الملطي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسين بن صفوان قال‏:‏

أخبرنا أبو بكر القرشي قال‏:‏ حدَّثني محمد بن الحسين قال‏:‏ حدَّثني عبد العزيز بن يحيى

الأويسي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال‏:‏خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين إلى المدينة ومعهما أصحاب لهما حتى إذاكانوا بالأبواء نزلوا منزلًا فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء قائمًا في المنزل

يصلي‏.‏

قال‏:‏ فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة فأوجز

في صلاته ثم قال‏:‏ ألك حاجة قالت‏:‏ نعم قال‏:‏ ما هي قالت‏:‏ قم فأصب مني فإني قدودقت ولا بعل لي قال‏:‏ إليك عني لا تحرقيني ونفسك بالنار‏.‏

ونظر إلى امرأة جميلة فجعلت تراوده عن نفسه ويأبى إلا ما يريد‏.‏قال‏:‏ فجعل عطاء يبكي ويقول‏:‏ ويحك إليك عني‏.‏قال‏:‏ واشتد بكاؤه فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه‏.‏

قال‏:‏ فجعل يبكي والمرأة تبكي بين يديه فبينا هو كذلك إذ جاء سليمان من حاجته فلما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه تبكي جلس في ناحية البيت يبكي لبكائها ولا يدري ما أبكاهما وجعل أصحابهما يأتون رجلًا رجلًا كلما أتى رجل فرآهم يبكون جلس فبكى لبكائهم لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت فلما رأت المرأة الإعرابية ذلك قامت فخرجت‏.‏قال‏:‏ فقام القوم فدخلوا فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالًا له وهيبة قال‏:‏ وكان أسن منه ثم أنهما قدما مضر لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله فبينا عطاء ذات ليلة نائم إذ استيقظ وهو يبكي فقال سليمان‏:‏ ما يبكيك يا أخي قال‏:‏ رؤيا رأيها الليلة قال‏:‏ وما هي قال‏:‏ لا تخبر بها أحدًا ما دمت حيًا رأيت يوسف النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فجئت أنظر إليه فيمن ينظر فلما نظرت حسنه بكيت فنظر إلي فقال‏:‏ ما يبكيك أيها الرجل قلت‏:‏ بأبي أنت وأمي يا نبي الله ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب فبكيت من ذلك وجعلت أتعجب منه قال‏:‏ فهلا تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء فعرفت الذي أراد فبكيت فاستيقظت باكيًا قال‏:‏ سليمان يا أخي وما حال تلك المرأة فقص عليه عطاء القصة فما أخبر بها سليمان أحدًا حتى مات عطاء فحدث بها بعده امرأة من أهله وشاع الحديث بالمدينة بعد موت عطاء بن يسار‏.‏

وقد رويت لنا هذه القصة عن سليمان أنها جرت له والله أعلم‏.‏

وتوفي عطاء في هذه السنة وقيل‏:‏ سنة أربع وتسعين‏.‏

يزيد بن الأصم واسمه عبد عمرو بن عدس‏:‏ وأمه برزة بنت الحارث بن حزن أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

روى عن أبي هريرة وابن عباس وكان ينزل بالرقة وتوفي في هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع ومائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن سعيدًا الحرشي غزا فقطع النهر فقتل أهل الصغد واصطفى أموالهم وذراريهم وكتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة وكان هذا فيما وجد عليه ابن هبيرة فيه وكان على الأقباض علباء بن أحمر فاشترى رجل منه جونة بدرهمين فوجد فيها سبائك ذهب فرجع وهو واضع يده على عينه كأنه رمد فرّد الجونة وأخذ الدرهمين وطلب فلم يوجد‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عن مكة والمدينةوذلك للنصف الأول من ربيع الأول وكان عامله على المدينة ثلاث سنين وولى المدينة عبد الواحد النضري‏.‏

وكان سبب عزل ابن الضحاك أنه خطب فاطمة بنت الحسين فقالت‏:‏ ما أريد النكاح فألحعليها وتوعدها بأن يؤذي ولدها وكان إلى ديوان المدينة ابن هرمز الشامي فدخل على فاطمة

فقال‏:‏ هل من حاجة فقالت‏:‏ تخبر أمير المؤمنين ما ألقى من ابن الضحاك وبعثت رسولًا

بكتاب إلى يزيد تخبره بذلك وتذكر فيها قرابتها وما يتواعدها بهن فقدم ابن هرمز على يزيد

فاستخبره عن المدينة وقال‏:‏ هل من مغربة خبر فلم يذكر له شأن فاطمة فقال الحاجب‏:‏بالباب رسول من فاطمة فقال ابن هرمز‏:‏ يا أمير المؤمنين إن فاطمة يوم خرجت حملتني رسالة إليك وأخبره الخبر‏.‏

قال‏:‏ فنزل من أعلى فراشه وقال‏:‏ لا أم لك أسألك عن مغربة خبر وهذا عندك ولا تخبرنيه فأعتذر بالنسيان فأذن للرسول فدخل واخذ الكتاب فقرأه وجعل يضرب بخيزران على يده ويقول‏:‏ لقد اجترأ ابن الضحاك هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي قيل له‏:‏ عبد الواحد بن عبد الله النضري فدعا بقرطاس وكتب بيده إلى عبد الواحد وهو بالطائف‏:‏ سلام عليك أما بعد‏.‏

فقد وليتك المدينة فإذا جاءك كتابي فأهبط إليها واعزل ابن الضحاك وأغرمه أربعين ألف درهم وعد به حتى أسمع صوته وأنا على فراشي‏.‏فقدم البريد المدينة فلم يدخل على ابن الضحاك فأحس بالشر فأرسل على البريد فكشف

له عن طرف المفرش فقال‏:‏ هذه ألف دينار ولك العهد والميثاق إن أخبرتني خبر وجهك هذا

دفعتها إليك فاستنظر البريد ثلاثًا حتى يسير وخرج ابن الضحاك فأغذ السير حتى نزل على

مسلمة بن عبد الملك فقال‏:‏ أنا في جوارك فغدا مسلمة على يزيد فرققه وقال‏:‏ لي حاجة

إليك فقال‏:‏ كل حاجة فهي لك ما لم يكن ابن الضحاك فقال‏:‏ هو ابن الضحاك فقال‏:‏ والله لا

أعفيه أبدأَ وقد فعل ما فعل فرده إلى النضري وكان قد قدم إلى المدينة للنصف من شوال‏.‏

وعذب ابن الضحاك وافتقر حتى رأيت عليه جبة صوف وهو يسأل الناس‏.‏

وكان قد عادى الأنصار في ولايته وضرب أبا حازم ظلمًا في باطل فما بقي بالمدينة صالح إلا

عابه ولا شاعر إلا هجاه وكان ذلك آخر أمره‏.‏

- وفي هذه السنة‏:‏ غزا الحجاج بن عبد الله الحكمي أرض الترك ففتح على يديه بلجنر وفتحوا

الحصون التي تليها وجلا عنها عامة أهلها وسبوا ما شاءوا‏.‏

- وفيها‏:‏ ولد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في ربيع الآخر‏.‏

وفيها‏:‏ عزل ابن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي عن خراسان وولى مسلم بن سعيد الكلابي‏.‏

وسبب عزله الحرشي أن الحرشي كان يستخف بأمر ابن هبيرة وكتب إليه يأمره بتخلية رجل

فقتله فدعى ابن هبيرة رجلًا فقال له‏:‏ اخرج إلى خراسان وأظهر أنك قدمت تنظر في أمرالدواوين واعلم لي علمه فمضى فجعل ينظر في الدواوين فقيل للحرشي أنه لم يقدم إلا ليعلم

علمك فسم بطيخة وبعث بها إليه فأكلها فمرض وتساقط شعره ورجع إلى ابن هبيرة

فغضب ابن هبيرة وعزل سعيدًا وعذبه وولى مسلم بن أسلم‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ حج بالناس عبد الواحد بن عبد الله النضري وكان هو العامل على مكة

والمدينة والطائف وكان على العراق والمشرق عمر بن هبيرة وعلى قضاء الكوفة حسين بنالحسن الكندي وعلى قضاء البصرة عبد الله بن يعلى‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

حيان بن شريح‏:‏ كان صاحب خراج مصر لعمر بن عبد العزيز حدث عنه يزيد بن أبي حبيب وعبد الملك بن جنادة وتوفي في هذه السنة‏.‏ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن بجاد العبسي الكوفي روى عن عمر وعلي وأبي بكرة وعمران بن حصين حدث عنه الشعبي ومنصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم‏.‏وكان ثقة صدوقًا‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر احمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏

أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر قال‏:‏ حدَّثنا الوليد بن بكر الأندلسي قال‏:‏ أخبرنا علي بن أحمدبن زكريا الهاشمي قال‏:‏ حدَّثنا صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال‏:‏ حدَّثني أبي قال‏:‏ ربعي بن خراش كوفي ثقة ويقال أنه لم يكذب قط‏.‏كان له ابنان عاصيان في زمن الحجاج

فقيل للحجاج‏:‏ إن أباهما لم يكذب كذبة قط لو أرسلت إليه فسألته عنهما فأرسل إليه فقال‏:‏أين ابناك قال‏:‏ هما في البيت فقال‏:‏ قد عفونا عنها بصدقك‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد المعدل قال‏:‏

أخبرنا ابن صفوان قال‏:‏ أخبرنا ابن أبي الدنيا قال‏:‏ حدَّثني محمد بن الحسين قال‏:‏ حدَّثنا محمد

بن جعفر بن عون قال‏:‏ أخبرني بكر بن أحمد العابد عن الحارث الغنوي قال‏:‏ إلى ربعي بن حراش ألا تفتر أسنانه ضاحكًا حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلا عند موته وآلى أخوه ربعي بن حراش بعده ألا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار‏.‏

قال الحارث الغنوي‏:‏ فلقد أخبرني غاسلة أنه لم يزل مبتسمًا على سريره ونحن نغسله حتىفرغنا منه‏.‏

توفي ربعي بن حراش في هذه السنة وقيل في سنة إحدى‏.‏

زياد بن أبي زيادمولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة القرشي واسم أبي زياد ميسرة‏.‏

وكان زياد عبدًا وكان عمر بن عبد العزيز يستزيده ويكرمه وبعث إلى مولاه ليبيعه إياه فأبى

وروي عن أنس بن مالك قال أنس بن مالك‏:‏ كان زياد عابدًا معتزلا لا يزال يذكر الله ويلبس

الصوف‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا رزق الله وطراد قالا‏:‏ أخبرنا علي بن محمد بن بشران قال‏:‏حدَّثنا الحسين بن صفوان قال‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن محمد القرشي قال‏:‏ حدَّثنا علي بن محمد

قال‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن صالح قال‏:‏ حدَّثني يعقوب بن عبد الرحمن القاري قال‏:‏ قال‏:‏ قالمحمد بن المنكدر‏:‏ أني خلفت زياد بن أبي زياد وهو يخاصم نفسه في المسجد يقول‏:‏ اجلسي أين تريدين أن تخرجي إلى أحسن من هذا المسجد انظري إلى ما فيه تريدين أن تنظري إلى دار فلان وفلان‏.‏قال‏:‏ وكان يقول لنفسه‏:‏ مالك من الطعام يا نفس إلا هذا الخبز والزيت ومالك من الثياب إلا هذين الثوبين ومالك من النساء إلا هذه العجوز أتحبين أن تموتي فقالت‏:‏ أنا أصبر على هذا العيش‏.‏

عبد الله بن يزيد أبو قلابة الجرميكان فقيهًا عالمًا بالفقه بصيرًا بالقضاء فلما طلب القضاء هرب ومرض فدخل عليه عمر بن

عبد العزيز يعوده فقال له‏:‏ يا أبا قلابة تشدد ولا تشمت بنا المنافقين‏.‏

ومات بالشام في هذه أخبرنا علي بن عبيد الله الفقيه وإسماعيل بن أحمد المنقري قالا‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد النقور قال‏:‏ أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك قال‏:‏ حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال‏:‏ حدَّثنا عمار بن خالد الواسطي قال‏:‏ حدَّثنا الحكم بن سيار قال‏:‏ حدَّثنا أيوب السختياني قال‏:‏ قال‏:‏ لي أبو قلابة‏:‏ احفظ عني ثلاث خصال‏:‏ إياك وأبواب السلطان ومجالسة أهل الأهواء والزم سوقك فإن الغنى من العافية‏.‏أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال‏:‏ أخبرنا جعفر بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا عبد العزيز بن الحسن

بن إسماعيل الضراب قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ حدَّثنا أحمد بن مروان قال‏:‏ حدَّثنا يوسف بنعبد الله الحلواني قال‏:‏ حدَّثنا عثمان بن الهيثم قال‏:‏ كان رجل بالبصرة من بني سعيد وكان قائدًا من قواد عبيد الله بن زياد فسقط من السطح فانكسرت رجلاه فدخل عليه أبو قلابة يعوده فقال له‏:‏ أرجو أن يكون لك خيرة فقال‏:‏ يا أبا قلابة وأي خيرة في كسر رجلي جميعًا قال‏:‏ ما ستر الله عنك أكثر فلما كان بعد ثلاث ورد عليه كتاب عبيد الله بن زياد أن يخرج فيقاتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فقال للرسول‏:‏ قد أصابني ما ترى فما كان سبعًا حتى وافى الخبر بقتل الحسين فقال الرجل‏:‏ رحم الله أبوعامر بن شراحيلوقيل‏:‏ عامر بن عبد الله بن شراحيل - أبو عمرو الشعبي‏:‏ من شعب همدان كوفي وأمه من

سبي جلولاء ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب هو وأخ له توأمًا‏.‏

وسمع علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وأسامة وجابر والبراء وأنس وأبا هريرة وعدي بن حاتم وسمرة وعمرو بن حريث والمغيرة وزيد بن أرقم وغيرهم‏.‏وكان مفتيًا في العلوم وحافظًا ثقة وقال‏:‏ ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث

قط إلا حفظته وما أحببت أن يعيده عليّ وما أروي شيئاَ أقل من الشعر ولو شئتلأنشدكم شهرًا لا أعيد ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالمًا وليتني أفلتمن ذلك كفافًا لا علي ولا لي‏.‏

وسمعه عمر يحدث بالمغازي فقال‏:‏ هذا الفتى شهد معنا‏.‏وقال أبو مخلد‏:‏ ما رأيت أفقه من الشعبي ولما بلغ عبد العزيز بن مروان عقل الشعبي وعلمهوطيب مجالسته كتب إلى أخيه عبد الملك أن يؤثره بالشعبي ففعل وكتب إليه‏:‏ إني أوثرك على

نفسي لا يلبث عندك إلا شهرًا وكان عبد العزيز بمصر فأقام عنده نحوًا من أربعين يومًا ثم

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا احمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن علي البزازقال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله بن المرزبان السيرافي قال‏:‏ أخبرنامحمد بن الحسن بن دريد قال‏:‏ حدَّثنا عبد الرحمن بن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال‏:‏ وجه عبد الملك بن مروان عامرًا الشعبي إلى ملك الروم في بعض الأمر فاستكثره فقال له‏:‏ منأهل بيت الملك أنت قال‏:‏ لا فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمله رقعة لطيفة وقال‏:‏ إذا

رجعت إلى صاحبك فأبلغه جميع ما يحتاج إلى معرفة من ناحيتنا وادفع إليه هذه الرقعة فلما

صار الشعبي إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج ذكره ونهض من عنده فلما خرج ذكر الرقعة

فرجع فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أنه حملني إليك رقعة نسيتها حين خرجت وكانت في آخر ما

حملني فدفعها إليه ونهض فقرأها عبد الملك فأمر برده فقال‏:‏ أعلمت ما في الرقعة قال‏:‏ لا

قال‏:‏ فيها‏:‏ عجبت من العرب كيف ملكت غير هذا أفتدري لم كتب إليّ بهذا فقال‏:‏ لا قال‏:‏حسدني بك فأراد أن يغريني بقتلك فقال الشعبي‏:‏ لو كان ذلك يا أمير المؤمنين ما استكثرني‏.‏

فبلغ ملك الروم ذلك فذكر عبد الملك فقال‏:‏ لله أبوه والله ما أردت غير ذلك‏.‏

كان الشعبي قد خرج مع القراء على الحجاج ثم دخل عليه فاعتذر فقبل عذره وولي القضاء‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن علي بن الفتح

قال‏:‏ أخبرنا ابن أخي ميمي قال‏:‏ أخبرنا جعفر بن محمد الخواص قال‏:‏ حدَّثنا ابن مسروق قال‏:‏

حدَّثنا إبراهيم بن سعيد قال‏:‏ حدَّثنا أبو أسامة قال‏:‏ حدَّثنا ذكريا بن يحيى قال‏:‏ دخلت على

الشعبي وهو يشتكي فقال له‏:‏ كيف تجدك قال‏:‏ أجدني وجعًا مجهودًا اللهم إني احتسب نفسي

عندك فهي أعز الأنفس عندي‏.‏توفي في هذه السنة قاله الأكثرون وقيل‏:‏ في سنة سبع‏.‏

وفي مقدار عمره قولان‏:‏ سبع وتسعون والثاني اثنتان وثمانون‏.‏مجاهد بن جبريكنى أبا الحجاج مولى قيس بن السائب المخزومي‏:‏ كان فقيهًا دينًا ثقة روى عن ابن عمر وابن عمرو وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس في آخرين‏.‏قال بعض الرواة‏:‏ كنت إذا رأيت مجاهدًا ظننت أنه خربندج ضل حماره فهو مهتم‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الله الدقاق قال‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا ابن صفوان

قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر بن عبيد الله قال‏:‏ حدَّثني محمد بن الحسين قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن كناسة

قال‏:‏ حدَّثنا عمر بن ذر عن مجاهد قال‏:‏ إذا أراد أحدكم أن ينام فليستقبل القبلة ولينم على يمينه وليذكر الله وليكن آخر كلامة عند منامه لا إله إلا الله فإنها وفاة لا يدرى لعلها تكون منيته ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وهو الذي يتوفاكم بالليل‏}‏، توفي مجاهد وهو ساجد في هذه السنة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة اثنتين وقيل‏:‏ في سنة ثلاث‏.‏

وقد بلغ ثلاثًا وثمانين سنة‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس ومائة فمن الحوادث فيها

غزوة الجراح بن عبد الله اللان حتى إذا جاز مدائن وحصن وراء بلنجر وأصاب غنائم كثيرة‏.‏وغزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم فبعث سرية في نحو من ألف مقاتل فأصيبوا جميعًاوغزوة مسلم بن سعيد الترك فلم يفتح شيئاَ‏.‏وغزوة مسلم أفشين فصالح ملكها على ستة آلاف رأس ودفع إليه القلعة‏.‏

وفيها‏:‏ توفي يزيد بن عبد الملك وولي هشام‏.‏

 باب ذكر خلافة هشام بن عبد الملك

كان عبد الملك قد تزوج عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومية وكانت حمقاء فولدتهشامًا في العام الذي قتل فيه مصعب بن الزبير فسماه منصورًا وسمته أمه هشامًا فلم ينكر

ذلك وكان عبد الملك قد رأى في منامه أم هشام قد فلقت رأسه فلطعت فيه عشرين لطعة

فعبرها سعيد المسيب فقال‏:‏ تلد غلامًا يملك عشرين سنة فولدت له هشامًا ورأى هشام في

منامه أن طبقًا فيه تفاح قد قدم إليه فأكل تسع عشر تفاحة وبعض الأخرى فسأل عن ذلك

فقيل له‏:‏ تملك تسع عشر سنة وكسرًا فكان لا يقدم إليه التفاح في خلافته ولا يراه‏.‏وكان يكنى أبا الوليد وكان أبيض حسن الجسم أحول يخضب بالسواد ولد له عشر من

الذكور وكان لهاجًا بعمار الأرض وبالآلات والكسي والفرش فجمع من ذلك ما حمله علىسبعمائة بعير ووجد له اثنا عشر ألف قميص وسبعمائة تكة‏.‏ذكر طرف من أخباره وسيرته‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحميدي قال‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سلامةالقضاعي قال‏:‏ أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب قال‏:‏ أخبرنا ابن دريد قال‏:‏ أخبرنا أبو

حاتم عن أبي عبيد عن يونس قال‏:‏ اشترى عبد الملك جارية وخلا بها فقالت له‏:‏ يا أمير المؤمنين ما من منزلة أطمع فيها فوق منزلتي إذ صرت للخليفة وكان النار ليس لها خطر إن ابنك فلانًا اشتراني فكنت عنده - لا أدري ذكر ليلة أو نحو ذلك - لا يحل لك مسي قال‏:‏ فحسن منها هذا القول عنده وتركها وولاها أمرها‏.‏قال علماء السير‏:‏ وكان هشامًا إذا صلى الغداة كان أول من يدخل عليه صاحب حرسه

فيخبره بما حدث في الليل ثم يدخل عليه موليان له مع كل واحد منهما مصحف فيقعد

أحدهما على يمينه والآخر على يساره حتى يقرأ عليهما جزأة ويدخل الحاجب ويقول‏:‏ فلان

بالباب وفلان وفلان فيقول‏:‏ ائذن‏.‏

فلا يزال الناس يدخلون عليه فإذا انتصف النهار وضع طعامه ورفعت الستور ودخل الناس أصحاب الحوائج فيسألون حوائجهم فيقول‏:‏ لا ونعم والكاتب خلفه يوقع بما يقول حتى إذا فرغ من طعامه وانصرف الناس صار إلى قائلته فإذا صلى الظهر دعى بكتابه فناظرهم فيما ورد من أمور الناس حتى يصلي العصر ثم يأذن للناس فإذا صلى العشاء الآخرة حضر سماره الزهري وغيره‏.‏

فجاء الخبر من أرمينية أن خاقان قد خرج فنهض في الحال وحلف أن لا يؤويه سقف بيت

حتى يفتح الله عليه وسيأتي ذكر هذه القصة فيما بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

وقال بشر مولى هشام‏:‏ تفقد هشام بعض ولده لم يحضر الجمعة فقال له‏:‏ ما منعك فقال‏:‏

وظهر في الشام غيلان بن مروان أبو مروان الدمشقي فأظهر الاعتزال فقتله وصلبه بباب دمشق‏.‏

أخبرنا أبو الحصين‏:‏ قال‏:‏ أخبرنا أبو طالب محمد بن عبد الله الشافعي قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر بن

أبي الدنيا قال‏:‏ حدَّثنا إسماعيل بن الحارث بن كثير بن هشام عن عبد الله بن زياد قال‏:‏

قال غيلان لربيعة بن أبي عبد الرحمن‏:‏ أنشدك الله أترى الله يحب أن يعصى قال ربيعة‏:‏

أنشدك الله أترى الله يعصى قسرًا فكأني ربيعة ألقم حجرًا‏.‏

أنبأنا عبد الوهاب الأنماطي ومحمد بن ناصر الحافظان قالا‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار

قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن قشيش قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن محمد بنعلي الجوادي قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر بن الأنباري قال‏:‏ أبي حدَّثنا أحمد بن عبيد المدائني قال‏:‏

حكي لنا أن أبا جعفر المنصور وجه إلى شيخ من أهل الشام كان بطانة هشام بن عبد الملك

فسأله عن تدبير هشام في بعض حروبه مع الخوارج فوصف له الشيخ ما دبر فقال‏:‏ فعل رحمه

الله كذا وصنع رحمه الله كذاو كذا فقال‏:‏ له المنصور‏:‏ قم عليك وعليه لعنة الله تطأ بساطي

وتترحم على عدوي فقام الرجل وهو يقول وهو مول‏:‏ إن نعم عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعهاإلا غاسلي فقال له المنصور‏:‏ ارجع يا شيخ فرجع فقال‏:‏ أشهد أنك نهيض حر وغراس

شريف عد إلى حديثك فعاد الشيخ إلى حديثه حتى إذا فرغ دعي له بمال فأخذه وقال‏:‏ والله

يا أمير المؤمنين ما بي إليه من حاجة ولقد مات عني من كنت في ذكر أنفًا فما أحوجني إلى

وقوف بباب أحد ولو لا جلالة عز أمير المؤمنين وإيثار طاعته ما لبست لأحد بعده نعمة فقال

له المنصور‏:‏ مت إذا شئت لله أبوك فلو لم يكن لقومك غيرك كنت قد أبقيت لهم مجدًا مخلدًا‏.‏

وكان هشام لا يلتفت إلى أولاد عمر بن عبد العزيز ولا يعطيهم شيئًا ويقول‏:‏ أرضى لهم ما

رضي لهم أبوهم‏.‏

وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد النضري وعلى قضاءالكوفة حسين بن حسن الكوفي وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس‏.‏وكان خالد القسري على العراق وخراسان، وقيل إنما استعمل في سنة ست‏.‏

وكان العامل في هذه السنة عمر بن هبيرة فعزله هشام في أول ولايته وولى خالد‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر أبان بن عثمان بن عفان يكنى أبا سعيدولي المدينة لعبد الملك سبع سنين وأشهر وهو أحد سبعة من فصحاء الإسلام سعيد بن العاص وعبد الرحمن بن عمير الليثي وأبو الأسود الدؤلي ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وولد له ستة ذكور منهم عبد الرحمن بن أبان‏.‏

وكان من أزهد الناس وعقب أبان كثير بناحية الأندلس‏.‏

توفي بالمدينة في هذه السنة بعد أن فلج سنه أعظم فالج حتى ضرب به المثل‏.‏

وكان به وضح عظيم وصمم شديد وحول قبيح وهو وأخواه عمرو وعمر لأم واحدة‏.‏

شفي ابن ماتع أبو عبيد الأصبحي‏:‏ يروى عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وكان حكيمًا‏.‏

روى عنه أبو قبيل المعافري وغيرة‏.‏وكان شفي إذا أقبل يقول عبد الله بن عمرو‏:‏ جاءكم أعلم من عليها‏.‏

الضحاك بن مزاحم أبو القاسم الهلالي‏:‏ أصله من الكوفة حملت به أمه سنتين وكان عالمًا بالتفسير لقي سعيد ين جبير فأخذ عنه ولم ير ابن عباس وكان يعلم ولا يأخذ أجرًا ثم أقام ببلخ‏.‏قال قبيصة بن قيس العنبري‏:‏ كان الضحاك بن مزاحم إذا أمسى بكى فيقال له‏:‏ ما يبكيك

فيقول‏:‏ لا أدري ما صعد اليوم من عملي‏.‏

توفي الضحاك في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة اثنين ومائة‏.‏عبد الله بن حبيب بن ربيعة

أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي

سمع عثمان وعليًا وابن مسعود وحذيفة وغيرهم روى عنه جبير وإبراهيم النخعي‏.‏

وأقرأ القرآن للناس أربعين سنة وصام ثمانين رمضان‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أنبأنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أحمد بن يوسف

الصياد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد قال‏:‏ حدَّثنا الحارث بن محمد قال‏:‏ حدَّثناعفان قال‏:‏ حدَّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب قال‏:‏ دخلنا على عبد الله بن حبيب وهو يقضي في مسجده فقلنا‏:‏ يرحمك الله لو تحولت إلى فراشك فقال‏:‏ حدَّثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة تقول الملائكة‏:‏ اللهم اغفر له اللهم ارحمه‏"‏ فأريد أن أموت وأنا في مسجدي‏.‏

توفي في هذه السنة وله تسعون سنة‏.‏عكرمة مولى عبد الله بن عباس يكنى أبا عبد الله‏:‏ توفي ابن عباس وهو عبد فاشتراه خالد بن يزيد بن معاوية من علي بن عبد الله بن عباس بأربعة آلاف دينار فراح علي إلى خالد فاستقاله فأقاله فأعتقه‏.‏

وكان يروي عن ابن عباس وأبي هريرة والحسن بن علي وعائشة‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سليمان قال‏:‏ حدَّثنا حمد بن أحمد قال‏:‏ حدَّثنا أبو نعيم

الأصفهاني قال‏:‏ حدَّثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن عثمان بن أبي

شيبة قال‏:‏ حدَّثنا سعيد بن عمر قال‏:‏ حدَّثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الحريث عن

عكرمة قال‏:‏ كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن والسنن‏.‏

وكان الشعبي يقول‏:‏ ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة‏.‏

وقال جابر‏:‏ عكرمة أعلم الناس‏.‏وقال قتادة‏:‏ أعلمهم بالتفسير عكرمة‏.‏

توفي عكرمة في هذه السنة بالمدينة وقيل‏:‏ في سنة سبع وقيل‏:‏ في سنة ست وهو ابن ثمانين سنة‏.‏

غزوان بن غزوان الرقاشي وقيل‏:‏ غزوان بن زيد‏:‏ كان من كبار الصالحين‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر عن أبي محمد الجوهري عن أبي عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا ابن

معروف قال‏:‏ حدَّثنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ حدَّثنا محمد بن سعد قال‏:‏ حدَّثنا يحيى بن راشدإن غزوان لم يضحك منذ أربعين سنة‏.‏

وكان غزوان يغزز فإذا أقبلت الرفاق راجعين تستقبلهم أمه فتقول لهم‏:‏ أما تعرفون غزوان

فيقولون‏:‏ ويحك يا عجوز ذاك سيد القوم‏.‏

كثير بن عبد الرحمنالأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد أبو صخر الخزاعي الشاعر

اسم أمه جمعة بنت الأشيم بن خالد وقيل‏:‏ جمعة بنت كعب بن عمرو‏.‏

وقيل‏:‏ كانت كنية جده أبي أمه أبا جمعة فلذلك قيل‏:‏ ابن أبي جمعة‏.‏

وكان شاعرًا مجيدًا إلا أنه كان رافضيًا يقول بإمامة محمد بن الحنفية وأنه أحق من الحسن والحسين بالإمامة ومن سائر الناس، وأنه حي مقيم بجبل وضوي لا يموت ومدح عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وكان يقول بالتناسخ والرجعة وكان يقول‏:‏ أنا يونس بن متى يعني أن روحه نسخت فيّ‏.‏وقال يومًا‏:‏ ما يقول الناس في قيل‏:‏ يقولون أنك الدجال فقال‏:‏ إني لأجد في عيني ضعفًا منذ أيام‏.‏

وكان بمكة وقد ورد على الأمراء الأمر بلعن علي رضي الله عنه فرقي المنبر وأخذ بأستار

الكعبة وقال‏:‏

أيسب المطهرون أصولًا **والكرام الأخوال الأعمام

يأمن الطير والحمام ولا **يأمن آل الرسول عند المقام فأنزلوه عن المنبر وأثخنوه ضربًا بالنعال وغيرها فقال‏:‏

إن أمرءًا كانت مساوئه **حب النبي بغير ذي عتب

وبني أبي حسن ووالدهم **من طاب في الأرحام والصلب

أترون ذنبًا أن أحبهم **بل حبهم كفارة الذنبوكان كثير دميم الخلقة فاستزاره عبد الملك فازدراه لدمامته فقال‏:‏ تسمع بالمعيدي خير أن

تراه فقال كثير‏:‏ ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد مزير

فقال له‏:‏ إن كنا أسأنا اللقاء فلسنا نسيء الثواء حاجتك قال‏:‏ تزوجني عزة فأراد أهلها على

ذلك فقالوا‏:‏ هي بالغ وأحق بنفسها فقيل لها فقالت‏:‏ أبعدما تشبب بي وشهرني في العرب

مالي إلى ذلك سبيل‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن عبد الجبار قال‏:‏ أخبرنا أبو الطيب

الطبري قال‏:‏ حدَّثنا المعافي بن زكريا قال‏:‏ حدَّثنا الحسن بن علي بن المرزبان قال‏:‏ حدَّثنا عبد

الله بن هارون النحوي قال‏:‏ حدَّثنا أبو بكر محمد بن أبي يعقوب الدينوري قال‏:‏ حدَّثني نصربن ميمون عن العتبي قال‏:‏ كان عبد الملك بن مروان يحب النظر كثيرًا إذ دخل عليه آذنه يومًا فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هذا كثير بالباب فاستبشر عبد الملك وقال‏:‏ فأدخل كثير - وكان دميما حقيرًا تزدريه العين - فسلم بالخلافة فقال‏:‏ عبد الملك‏:‏ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال كثير‏:‏ مهلًا يا أمير المؤمنين فإنما الرجل بأصغريه لسانه وقبله فإن نطق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان وأنا الذي أقول‏:‏

وجربت الأمور وجربتني ** فقد أبدت عريكتي الأمور

وما تخفى الرجال علي إني ** بهم لأخو مثابته خبير

ترى الرجل النحيف فتزدريه ** وفي أثوابه أسد مزير

ويعجبك الطرير فتبتليه ** فيخلف ظنك الرجل الطرير

وما عظم الرجال لهم بزين ** ولكن زينها كرم وخير

بغاث الطير أطولها جسوما ** ولم تطل البزاة ولا الصقور

بغاث الطير أكثرها فراخًا ** وأم الصقر مقلات نزور

لقد عظم البعير بغير لب ** فلم يستغن بالعظم البعير

ثم قال له‏:‏ ما كثير أنشدني في إخوان ذكروك بهذا فأنشده‏:‏

خير إخوانك في المنازل في **المرّ وأين الشريك في المرّ أينا

الذي إذا حضرت سرك في **الحي وإن غبت كان أذنًا وعينا

ذاك مثل الحسام أخلصه ال** قين جلاه الجلاء فازداد زينا

أنت في معشر إذا غبت ** عنهم بدلوا كل ما يزينك شيئًاوإذا ما رأوك قالوا جميعًا ** أنت من أكرم الرجال علينا

فقال عبد الملك‏:‏ يغفر الله لك يا كثير فأين الإخوان غير أني أقول‏:‏

صديقك حين تستغني كثير ** وما لك عند فقرك من صديق

فلا تنكر على أحد إذا ما ** طوى عنك الزيارة عن ضيق

وكنت إذا الصديق أراد غيظي ** على حنق وأشرقني بريقيغفرت له ذنوبه وصفحت ** عنه مخافة أن أكون بلا صديق

وكان كثير قد عشق عزة بنت حميد بن وقاص وهي من بني ضمرة وتشبب بها وكانت حلوة

مليحة وكان ابتداء عشقه لها ما روى الزبير بن بكار عن عبد الله بن إبراهيم السعدي قال‏:‏أنه كان أمر كثير أنه مر بنسوة من بني ضمرة ومعه غنم فأرسلن له عزة وهي صغيرة فقالت‏:‏

تقول لك النسوة‏:‏ بعنا كبشًا من هذا الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع فأعطاه كبشًا فأعجبته

حينئذ فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه فقال‏:‏ أين الصبية التي اخذت مني الكبش

قالت‏:‏ وما تصنع بها هذه دراهمك قال‏:‏ لا أخذ دراهمي إلا ممن دفعت إليه وقال‏:‏

قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنّى غريمهاوفي رواية أنه أنشدهن‏:‏

نظرت إلها نظرة وهي عاتق **على حين أن شبت وبان نهودها

نظرت إليها نظرة ما يسرني ** بها حمر أنعام البلاد وسودها

وكنت إذا ما جئت سعدًا بأرضها **أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيده

من الخفرات البيض ود جليسها **إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

ثم أحبته عزة أشد من حبه إياها ودخلت يومًا وهو يبري السهام فحدثته وهو يبري فبرى

ذراعه وسال الدم وهو لا يعلم‏.‏وقد حكي عنه أنه لم يكن بالصادق في محبته‏.‏

وروينا أن عزة تنكرت له فتبعها وقال‏:‏ يا سيدتي قفي أكلمك قالت وهل تركت عزة بقية فيك لأحد فقال‏:‏ لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك فقالت فكيف بما قلت في عزة قال‏:‏ أقلبه لك فسفرت عن وجهها وقالت‏:‏ أغدرًا يا فاسق ومضت فقال‏:‏

ألا ليتني قبل الذي قلت شيب **لي من السم جدحات بماء الذرار

حفمت ولم تعلم عليّ خيانة **وكم طالب للربح ليس برابح

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك وحمد بن ناصر قالا‏:‏ أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ حدَّثنا أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار قال‏:‏ كتب إلي

إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول حدَّثني أبو المتيع قال‏:‏ خرج كثير يلتمس عزة ومعه شنينة ماء فأخذه العطش فتناول الشنينة فإذا هي غطم ما فيها شيء من الماء فرفعت له نار فأمها فإذا بقربها مظلة بفنائها عجوز فقالت له‏:‏ من أنت قال‏:‏ أنا كثير قالت‏:‏ قد كنت أتمنى ملاقاتك فالحمد لله الذي أرانيك قال‏:‏ وما الذي تلتمسينه عندي قالت‏:‏ الست القائل‏:‏

إذا ما أتينا خلة كي تزيلها **أبينا وقلنا الحاجبية أول

سنوليك عرفًا إن أردت وصالنا **ونحن لتلك الحاجبية أوصل

قال‏:‏ بلى قالت‏:‏ أقلا قلت كما قال سيدك جميل‏:‏

فأجبتها في القول بعد تأمل ** حبي بثينة عن وصالك شاغليلو كان في قلبي مقدار قلامة ** فضلًا وصلتك أو أتتك رسائلي

قال‏:‏ دعي هذا واسقني ماء قالت‏:‏ والله لا سقيتك شيئًا قال‏:‏ ويحك إن العطش قد أضربي قالت‏:‏ ثكلت بثينة إن طعمت عندي قطرة ماء فكان جهده أن ركضت راحلته ومضىيطلب الماء فما بلغه حتى أضحى النهار وقد أجهده العطش‏.‏قال أبو بكر بن الأنباري‏:‏ حدَّثني أبي قال‏:‏ حدَّثنا أبو عكرمة وأحمد بن عبيدة قالا‏:‏

لما أتى يزيد بن عبد الملك بأسرى بني المهلب أمر بضرب أعناقهم فكان كثير حاضرًا فقاموأنشأ يقول‏:‏فعفو أمير المؤمنين وحسبه فما **يحتسب من صالح لك أن يكتبأساءوا فإن تغفر فإنك قادر **وأفضل حلم حسبه حلم مغضب

فقال يزيد‏:‏ ما كثير أطت بك الرحم قد وهبناهم لك وأمر برفع القتل عنهم‏.‏

قال أبو بكر‏:‏ أطت‏:‏ حنت‏.‏أخبرنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال‏:‏ أخبرنا علي بن المحسنالتنوخي قال‏:‏ أخبرنا علي بن عيسى الرماني قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن دريد قال‏:‏ أخبرنا عبد

الله الأول بن مزيد قال‏:‏ أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه قال‏:‏ خرج كثير يريد عبد العزيز بن

مروان فأكرمه ورفع منزلته وأحسن جائزته وقال‏:‏ سلني ما شئت من الحوائج قال‏:‏ نعم أحب أن تنظر لي من يعرف قبر عزة فيقفني عليه فقال رجل من القوم‏:‏ إني لعارف به فانطلق به الرجل حتى انتهى إلى قبرها فوضع يده عليه وعيناه تجريان وهو يقول‏:‏

وقفت على ربع لعزة ناقتي ** وفي الترب رشاش من الدمع يسفح

فيا عز أنت البدر قد حال دونه ** رجيع تراب والصفيح المصرحوقد كنت أبكي من فراقك خيفة ** فهذا لعمري اليوم إياي أنزح

فهلا فداك الموت من أنت قربه ** ومن هو أسوا منك حالًا وأقبح

ألا لا أرى بعد ابنة النضر ** لذة بشيء ولا ملحًا لمن يتملح

فلا زال وادي رمس عزة سائلًا ** به نعمة من رحمة الله تسفح

أرب لعيني البكا كل ليلة ** فقد كان مجرى دمع عيني يقرح

إذا لم يكن ماء تجلتنا دمًا ** وشر البكاء المستعار الممنح

ومن شعر كثير‏:‏

خليلي هذا رسم عزة فاعقلا ** قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت

فقلت لها يا عزّ كل مصيبة ** إذا وطنت يومًا لها النفس ذلت

أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ** وحلت بلاغًا لم تكن قبل حلت

ووالله ما قاربت إلا تباعدت ** بصرم ولا أكثرت إلا أقلت

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ** لدنيا ولا مولية إن تقلت

فلا يحسب الواشون أن صبابتي ** بعزة كانت غمرة فتجلت

وكنا ارتقينا من صعود من الهوى ** فلما علوناه ثبت وزلت

وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ** فلما توافينا شددت وحلت

وللعين أسراب إذا ما ذكرتها ** وللقلب أسرار إذا العين سلتتوفي كثير وعكرمة في هذه السنة في يوم واحد فصلي عليهما في مكان واحد بعد الظهر فقال

الناس‏:‏ مات أفقه الناس وأشعر الناس وكان كثير يقول عند موته لأهله‏:‏ لا تبكوا عليّ فإني بعد

أربعين يومًا أرجع‏.‏

يزيد بن عبد الملك بن مروان

توفي بالبلقاء من أرض الشام وهو ابن ثمان وثلاثين وقيل‏:‏ ثلاث وثلاثين وكانت وفاته يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان هذه السنة وصلى عليه نساء الوليد وكان هشام بن عبد الملك يومئذ وكان سبب موته أنه كانت له جارية اسمها حبابة وكان يحبها حبًا شديدًا فماتت فتغير

وبقي أيامًا لا يظهر للناس ثم مات‏.‏

وروى أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال‏:‏ حج يزيد بن

عبد الملك في خلافة أخيه سليمان بن عبد الملك فعرضت عليه جارية مغنية جميلة فأعجب

بها غاية الإعجاب فاشتراها بأربعة آلاف دينار وكان اسمها الغالية فسماها حبابة وكان

يهواها الحارث بن خالد المخزومي فقال لما بلغه خروج يزيد بها‏:‏ ظعن الأمير بأحسن الخلق وغدا بليل مطلع الشرق وبلغ سليمان خبرها فقال‏:‏ لهممت أن أحجر على يزيد يبتاع جارية بأربعة آلاف دينار وكان يزيد يهابه ويتقيه فتأدى إليه قوله فردها إلى مولاها واسترجع منه المال وباعها مولاها م رجل من أهل مصر بهذا الثمن ومكث يزيد آسفًا متحسرًا عليها فلم تمض إلا مديدة حتى تقلد يزيد الأمر‏.‏

فينا هو في بعض الأيام مع امرأته سعدى بنت عمرو بن عثمان إذا قالت له‏:‏ بقي في قلبك شيء

من أمور الدنيا لم تنله قال‏:‏ نعم حبابة فأمسكت حتى إذا كان من الغد أرسلت بعض ثقاتها

إلى مصر ودفعت إليه مالًا وأمرته بابتياع حبابة فمضى فما كان بأسرع من أن ورد وهي معه

قد اشتراها فأمرت سعدى قيمة جواريها أن تصنعها وكستها من أحسن الثياب وصاغتلها من أفخر الحليّ ثم قالت لها‏:‏ أمير المؤمنين متحسر عليك وله اشتريتك فسرت ودعت لهاولبثت أيامًا تصنعها تلك القيمة حتى إذا ذهب عنها وعث السفر قالت سعدى ليزيد‏:‏ إني

أحب أن تمضي معي إلى بستانك بالغوطة لنتنزه فيه قال‏:‏ أفعل فتقدميني فمضت وضربت فيهقبة وشي ونجدتها بالفرش وجعلت داخلها كله قصب وأجلست فيه حبابة وجاء يزيد فأكلوا

وجلسوا على شرابهم فأعادت سعدى عليه‏:‏ هل بقي في قلبك من الدنيا شيء لم تبلغه قال‏:‏

نعم حبابة قالت‏:‏ قد اشتريت جارية ذكرت أنها علمتها غناءها كله فهي تغني مثلها فتنشط

لاستماعها قال‏:‏ أي والله فجاءت به إلى القبة وجلسا قدامها وقالت‏:‏ غني يا جارية فغنت

الصوت الذي غنته ليزيد لما اشترها هو من شعر كثير‏:‏ وبين التراقي والفؤاد حرارة مكان الشجى لا تستقل فتبرد قال يزيد‏:‏ حبابة والله قالت سعدى‏:‏ حبابة والله لك اشتريتها وقد أهديتها لك فسر سرورًا عظيمًا وشكرها غاية الشكر وانصرفت وتركته مع حبابة فلما كان بالعشي صعد معها إلى مستشرف في البستان وقال لها‏:‏ غني وبين التراقي والفؤاد حرارة مكان الشجي لا تستقل فتبرد فغنته فأهوى ليرمي بنفسه وقال‏:‏ أطير والله فتعلقت به وقالت له‏:‏ الله الله يا أمير المؤمنين فأقام معها ثلاثة أيام ثم انصرفا فأقامت أيامًا ثم مرضت وماتت فحزن عليها حزنًا شديدًا وامتنع عن الطعام والشراب ومرض فمات‏.‏

أخبرنا ابن المبارك بن علي قال‏:‏ أخبرنا ابن العلاف قال‏:‏ أخبرنا عبد الملك بن بشران قال‏:‏

أخبرنا احمد بن إبراهيم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا علي بن الإعرابي قال‏:‏ حدَّثنا

علي بن عمروس‏.‏

أن يزيد بن عبد الملك دخل يومًا بعد موت حبابة إلى خزائنها ومقاصيرها فطاف فيها ومعه

جارية من جواريها فتمثلت الجارية بهذا البيت‏:‏

كفى حزنًا بالواله الصب أن **يرى منازل من يهوى معطلة قفرا

فصاح صيحة وخر مغشيًا عليه فلم يفق إلى أن مضى من الليل هوي فلم يزل بقية ليلته باكيًا

فلما كان اليوم الثاني وقد انفرد في بيت يبكي عليها جاءوا إليه فوجدوه ميتًا‏.‏أخبرنا شهدة بنت أحمد الكاتبة قالت أخبرنا ابن السراج بإسناده عن موسى بن جعفر‏:‏

أن يزيد بن عبد الملك بينا هو مع حبابة أسر الناس بها حذفها بحبة رمان أو بعنبة وهي

تضحك فوقعت في فيها فشرقت فماتت فأقامت عنده في البيت حتى جيفت أو كادت أن

فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا فبالنفس أسلو عنك لا بالتجلدا ثم رجع عما خرج من منزله حتى خرج نعشه‏.‏

وقال يحيى بن أسقوط الكندي‏:‏ ماتت حبابة فأحزنت يزيد بن عبد الملك فخرج في جنازتها

فلم تقله رجلاه فأقام وأمر مسلمة فصلى عليها ثم لم يلبث بعدها إلا يسيرا حتى مات‏.‏